chapter 2 { الفصل 16 }
بدأ نولان يخرج كل يوم إلى الساحة الخلفية، وعندما اشتد عوده، بدأ يتوغل قليلاً في أطراف الغابة، بعيداً عن أنظار التوأم ووالد ايفي. كانت ايفي تراقبه من بعيد، يملأها الفضول والخوف في آن واحد، فالحركات التي كان يؤديها لم تكن حركات بشر عاديين؛ كانت انسيابية، قوية، وسريعة بشكل لا يصدق
في أحد عصاري الأيام، كانت الغابة تكتسي بحلة ذهبية من ضوء الشمس الغاربة. تبعت ايفي نولان دون أن يلاحظ، ووقفت خلف جذع شجرة ضخم تراقب تدريباته
كان نولان يتنفس بعمق ، يركز طاقته في قبضتيه ، ثم فجأة ، حدث شيء أوقف نبض قلبها
لم يكتفِ نولان بالحركة ؛ بل تجمعت هالة غامضة من الضوء المائل للحمرة حول يديه ، ومع حركة سريعة ومباغتة ، انطلقت شرارات لهب حقيقية من أصابعه لتلتف حول جذع شجرة ميت، محولة إياه إلى كومة رماد في ثوانٍ معدودة .
تراجعت ايفي إلى الخلف بصدمة ، وارتطم ظهرها بجذع الشجرة ، مما أصدر صوتاً خفيفاً . توقف نولان فوراً ، والتفت نحو مكان اختبائها وكأن عيناه قادرتان على اختراق الخشب .
نولان بصوت هادئ ولكنه يحمل نبرة تحذير : كنت أعلم أنكِ تتبعينني
خرجت ايفي من خلف الشجرة ، وهي ترتجف وتنظر إلى بقايا الشجرة المحترقة ، ثم إلى يديه اللتين تلاشى عنهما اللهب تدريجياً .
ايفي بصوت متقطع : ما... ما هذا؟ كيف فعلت ذلك؟ أنت لست بشراً عادياً، أليس كذلك؟
تنهد نولان ، واقترب منها ببطء ، كانت نظراته مليئة بالأسى .
نولان : لهذا السبب كنت أطالبكِ بالابتعاد. هذه القوة... هذه النار التي تجري في دمي هي لعنة بقدر ما هي سلاح. لقد رأيت معلمي يموت امامي ، وحاولوا تحويل هذه القوة إلى أداة للدمار ، لكن صديقي اعادني لطريق صحيح
ايفي وهي تنظر إلى كفيه بدهشة : لم أرَ شيئاً كهذا في حياتي. هل هذا هو السبب في أن جروحك التأمت بهذه السرعة؟
نولان : نعم. هذه الطاقة تحاول الحفاظ على جسدي، لكنها في الوقت نفسه تستنزف روحي إذا لم أسيطر عليها. والآن، بعد أن رأيتِ الحقيقة، هل ما زلتِ تعتقدين أن وجودي هنا آمن لكِ ولعائلتك؟
ايفي بثبات غير متوقع : لا يهمني ما تكون أو ما تفعله، لقد أنقذتك لأنني شعرت أنك تستحق الحياة . وهذه النار... إذا كنت ستحميني بها ، فهي بالنسبة لي معجزة، وليست لعنة .
صمت نولان، ونظر إلى السماء الملبدة بالغيوم، وشعر لأول مرة منذ سنوات طويلة أن هناك شيئاً في هذا المكان يستحق القتال لأجله .
نزل نولان يده ببطء، وتلاشت بقايا الدخان عن أصابعه. جلس على صخرة قريبة، وأشار لايفي أن تجلس بجانبه، وكأنه قرر أخيراً كسر الصمت الذي أحاط بماضيه .
نولان بنبرة هادئة ومليئة بالحنين : لم أكن وحدي في تلك المعارك، كان معي مايدس. لقد كان أقرب من أخ لي منذ طفولتنا. كان يمتلك قلباً لا يشبه قلوب المحاربين الذين عرفتهم ، كان هادئاً ، طيباً ، ونادراً ما يغضب ، حتى في أحلك الظروف .
ايفي بفضول وهي تستمع لكل كلمة : مايدس؟ وما هي قوته؟ هل تشبه قوتك؟
ابتسم نولان ابتسامة باهتة، ثم نظر إلى كفيه : لا، قوته كانت مختلفة تماماً. مايدس يمتلك قوة الذهب، كان بإمكانه التلاعب بالاشياء الجامده وتحويل أي شيء يلمسه إلى ذهب خالص أو سلاح فتاك في لحظة. لكنه لم يكن يستخدمها للغنى أو السلطة و لم يقرر الانضمام لعصابه الثعالب مثلي بل رفض ، كان يستخدمها فقط لحمايه القرى و أصدقائه .
صمت نولان للحظة ، وبدت في عينيه غيوم من الحزن العميق .
ايفي بلهفة : أين هو الآن؟ هل كان معك في تلك الغابة؟
هز نولان رأسه نفياً، ونظر إلى الأفق البعيد : افترقنا في ليلة الهجوم الأخيرة. كان من المفترض أن نلتقي بعد حرب موراي ، لكنه لم يصل أبداً. لقد اختفى في خضم الفوضى و انفجار ، ولا أدري إن كان لا يزال على قيد الحياة أم أنه تحت أنقاض . كان هو العقل المدبر، وكان هو الوحيد الذي يفهم كيف أسيطر على نيراني عندما تخرج عن السيطرة .
ايفي بصدق : إذا كان هو صديقك المقرب، فربما هو أيضاً يختبئ في مكان ما، ربما ينتظر إشارة منك.
نولان بتصميم : آمل ذلك، لكنني أخاف أن يكون قد ضحى بنفسه من أجلي . في تلك الليلة، كان يواجه ثلاثة منهم وحده ليفتح لي طريق الهروب. لا يمر يوم دون أن أسأل نفسي عن مكانه، لكنني لا أملك أي خيط .
ايفي وهي تضع يدها على كتفه : لا تفقد الأمل يا نولان. إذا كنت أنت قد نجوت ووصلت إلى هنا، فربما هو أيضاً يملك القوة للنجاة. سنبحث عنه ، سأساعدك في العثور عليه بمجرد أن تصبح قوياً بما يكفي.
نظر نولان إلى ايفي ، ورأى في عينيها إصراراً غريباً، وكأنها أصبحت جزءاً لا يتجزأ من صراعه القديم.
نولان : البحث عنه يعني الدخول في عش الدبابير. أنتِ لا تعرفين حجم الملاحقين الذين نبحث عنهم، إنهم لا يتركون أحداً حياً .
ايفي : لقد أنقذتُ رجلاً غريباً يمتلك قوة النار في غابة مهجورة، لا أعتقد أن هناك شيئاً بعد الآن يمكنه إخافتي.